ذات صلة

جمع

محمد محمد خير.. اللهم اجعله خير

أثار تسجيل صوتي منسوب للمستشار السياسي لرئيس مجلس الوزراء،...

إجراءات أمنية مشددة وحظر تجوال في الخرطوم

في سياق تصاعد التوترات الأمنية، أعلنت لجنة تنسيق شؤون...

كامل ادريس.. اختفاء في احلك الاوقات

في تطور أثار موجة من التساؤلات داخل الأوساط السياسية...

قوات كيكل تعلن التقدم في جميع محاور العمليات العسكرية

أعلنت قوات درع السودان، التي تقاتل إلى جانب الجيش...

واشنطن والدعم السريع: لحظة الحسم تقترب

لم يعد السودان بالنسبة للولايات المتحدة ملفاً يمكن مراقبته...

عناق الوطن: حين بكى السودان في حضنٍ واحد

بقلم: د. عبدالناصر سلم حامد

في معسكر الدُبّة للنازحين القادمين من الفاشر، على أطراف الشمال السوداني، كان الغبار يلفّ الخيام مثل غلالةٍ من الحزن.
نساءٌ منهكات يحملن وجوه المدن البعيدة، وأطفالٌ يحدّقون في السماء كأنهم يسألونها عن بيوتهم التي تركوها خلف النار.
وفي قلب هذا المشهد الذي يختصر مآسي الحرب، التقطت عدسات قليلة لحظةً ستبقى محفورة في ذاكرة السودان:
الفريق أول عبد الفتاح البرهان يحتضن امرأةً نازحة تبكي بحرقةٍ تشبه بكاء الفاشر نفسها، المدينة التي قاومت الجوع والحصار، ثم أرسلت دموعها شمالًا مع أول قافلة نزوح.

لم يكن ذلك العناق مشهدًا عابرًا ولا موقفًا بروتوكوليًا.
كانت تلك اللحظة اختزالًا لمعنى الوطن حين يتجلى في أسمى صوره — قائدٌ يواسي، وأمٌّ تبكي، وشعبٌ يراقب في صمتٍ المزيج النادر بين القوة والرحمة.
حين مدّ البرهان يده ليواسي تلك المرأة، لم يكن يحتضن شخصًا واحدًا، بل كان يحتضن كل السودان.
كان يمسح دموع الفاشر، ويمدّ يده لكل من ظنّ أن الدولة بعيدة، ولكل من خاف أن يُنسى في زحمة الحرب.

في عيني المرأة دموع المدن المهدّمة، وفي عينيه صبر وطنٍ لا يزال واقفًا رغم العواصف.
كانت تبكي عن أبنائها الذين تفرّقوا بين المعسكرات والحدود، وعن جيرانها الذين اختفوا في ظلمة الطريق الطويل.
وكان هو يصغي بصمتٍ يليق بثقل اللحظة، صمتُ رجلٍ يعرف أن القيادة ليست في الكلام، بل في أن تشعر بالناس وتكون بينهم حين ينهار كل شيء.

في ذلك الحضن تلخّصت كل أوجاع السودان.
لم يكن اللقاء بين قائدٍ ونازحةٍ تبكي فحسب، بل بين وطنٍ ينزف وشعبٍ يبحث عن دفء الأمان.
الدموع لا تحتاج إلى إذن، والعناق لا يعرف الرتب.
تلك كانت لحظة صدقٍ خالصة، انكشفت فيها الروح السودانية كما هي: نقيّة، كريمة، قادرة على الحنين حتى في قلب المأساة.

وقف البرهان شامخًا، لكنه لم يكن شامخًا بسلاحه ولا بصفته الرسمية، بل بإنسانيته.
وقف يذكّرنا أن العزة لا تسقط حتى في أحلك اللحظات، وأن الشجاعة الحقيقية ليست في إطلاق النار، بل في القدرة على احتضان الألم.
ذلك العناق في معسكر الدُبّة لم يكن فعلًا رمزيًا فقط، بل رسالة وطنية صافية تقول إن الدولة ليست بعيدة عن شعبها، وإن القائد الذي يقترب من دموع الناس أقرب إلى قلوبهم من أي خطابٍ رسمي.

في تلك الخيام التي تتناثر على أطراف النيل، مشى البرهان بخطواتٍ هادئةٍ واثقة، يحيّي النساء، يصافح الشيوخ، ويجلس مع الأطفال الذين فقدوا مدارسهم وألعابهم.
كان يسير بينهم كأبٍ وسط أبنائه، لا كمسؤولٍ بين رعاياه.
لم يحمل معه وعودًا كثيرة، بل حمل حضورًا إنسانيًا نادرًا في زمنٍ امتلأ بالخذلان.
كل نظرةٍ من حوله كانت تقول: “كنا بحاجةٍ لأن نشعر أنك معنا، لا بعيدًا عنا.”

ذلك المشهد لم يكن دعاية ولا مصادفة، بل استعادة لجوهر القيادة في وطنٍ مزّقته الحرب.
لقد أثبت البرهان في تلك اللحظة أن القائد الذي ينحني ليمسح دمعة أمٍّ، لا يفقد هيبته بل يزيدها، وأن القوة ليست في الصرامة فقط، بل في الإنسانية التي تداوي الجراح حين تعجز البنادق عن ذلك.

عناق البرهان للمرأة النازحة من الفاشر أعاد ترتيب المشهد في ذاكرة الناس.
منذ اندلاع الحرب، غابت عن السودان صور الرحمة والحنان، حتى جاءت تلك اللقطة لتعيد الإحساس بأن هذا الوطن ما زال حيًّا.
هي لحظةٌ صغيرة في الزمن، لكنها كبيرة في معناها، لأنها قالت بصمتٍ عميق:
ما زال في السودان قلبٌ يخفق، وما زالت القيادة تعرف طريقها إلى الناس.

في معسكر الدُبّة، حيث تختلط رائحة التراب برائحة الخبز اليابس، وحيث يحتمي الأطفال بظل الخيام من شمسٍ قاسية، بدا المشهد وكأنه وعدٌ صامت بين القائد وشعبه:
سننهض مهما طال الوجع، وسنظل متماسكين مهما اشتدّت العواصف.
كانت تلك الوقفة درسًا في الإنسانية، تذكّرنا أن الكبرياء لا تتناقض مع الرحمة، وأن العظمة الحقيقية تُقاس بمدى اقتراب القائد من آلام شعبه لا بعده عنها.

ولأن المشاعر الصادقة لا تُخطَّط، خرجت الكلمات من أفواه الناس بتلقائيةٍ مدهشة، كأنها دعاءٌ من قلب المعسكر إلى السماء:
“سرّ، فوالله الذي رفع السماء بلا عمد، لن نخذلك، ولن نتركك.”
جملةٌ واحدة، لكنها حملت في معناها إيمانًا ووفاءً أكبر من أي شعارٍ سياسي.
لم تكن مجرد عبارة دعم، بل كانت عهدًا وجدانيًا بين من فقدوا كل شيء، وبين من جاءهم ليقول إنهم لم يفقدوا الوطن بعد.

ذلك العناق لم يكن مجرّد لحظة عاطفية، بل تحوّل إلى رمزٍ سياسيٍّ وإنسانيٍّ في آنٍ واحد.
رمزٌ يختصر ما يعنيه أن تكون القيادة قريبة من الناس، وأن يلتقي القلب بالواجب في نقطةٍ واحدةٍ هي الصدق.
لقد بكى السودان في حضنٍ واحد، لكنه بكى بكرامةٍ، واستعاد شيئًا من ذاته التي كادت تضيع بين الحروب والانقسامات.
إنها لحظة ستتجاوز الصورة إلى التاريخ، لأن فيها حقيقةً نادرة: أن القائد حين يفتح ذراعيه لشعبه، يفتح له المستقبل أيضًا.

في معسكر الدُبّة، حيث تختزن الرمال أنين النزوح وتحتفظ الريح بأسماء الشهداء، وُلد مشهدٌ يعيد الثقة بأن السودان ما زال قادرًا على النهوض.
فالوطن الذي يعرف كيف يحتضن أبناءه، لن يسقط.
والقائد الذي يمد يده ليمسح دمعة امرأة، لا يكتفي بمواساةٍ عابرة، بل يعلن عهدًا جديدًا بين الدولة والناس:
عهد الرحمة، وعهد المسؤولية، وعهد البقاء معًا مهما اشتدّت العواصف.