في ظل حربٍ طاحنة دخلت عامهاالثالث، لا يزال السودان يواجه نزيفاً مستمراً في الأرواح والبنيةالمجتمعية وسط صمت دولي وإقليمي يُثير القلق أكثر من الحيرة. الاتهامات المتكررة التي تُوجه إلى حكومة أبوظبي بشأن دعمها للمليشيات المسلحة في السودان، عبر إرسال مرتزقة وتمويل عمليات عسكرية، لم تلقَ حتى الآن أي رد فعل واضح من الأمم المتحدة أو الاتحاد الأفريقي، وكأن ما يحدث لا يستحق حتى بياناً توضيحياً.
السؤال الذي يطرحه السودانيون اليوم ليس فقط عن حجم التدخل، بل عن غياب المساءلة. لماذا تصمت الأمم المتحدة التي تُفاخر بدورها في حفظ السلام؟ ولماذا يغيب الاتحاد الأفريقي الذي يُفترض أن يكون الحارس الأول لاستقرار القارة؟ هل أصبح السودان خارج دائرة الاهتمام؟ أم أن المصالح السياسية والاقتصادية لبعض الدول باتت تُحدد من يستحق التضامن ومن يُترك للنسيان؟
الحديث عن تورط حكومة أبوظبي لم يعد مجرد تكهنات، بل تُوثقه تقارير إعلامية وشهادات ميدانية، تتحدث عن دعم مباشر لمليشيات تُتهم بارتكاب جرائم قتل وانتهاكات واسعة ضد المدنيين. ومع ذلك، لا نرى تحقيقاً دولياً، ولا نسمع عن لجان تقصٍ، ولا نلمس أي تحرك جاد لوقف ما يُوصف بأنه تدخل خارجي يُغذي الحرب ويُطيل أمدها.
المفارقة أن السودان، الذي يُعد من الدول المؤسسة للاتحاد الأفريقي، يُترك اليوم يواجه مصيره منفرداً، بينما تُدار الأزمة من خلف الكواليس،وتُصاغ المواقف الدولية بلغة المصالح لا المبادئ. وإذا كانت الأمم المتحدة تُبرر صمتها بالحياد، فإن هذا الحياد يُصبح تواطؤاً حين يُغض الطرف عن جرائم موثقة، وحين يُترك شعبٌ بأكمله تحت نيران حربٍ تُغذى من الخارج.
السودان لا يطلب شفقة، بل يطالب بالعدالة. يطالب بأن يُعامل كدولة ذات سيادة، لا كساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. يطالب بأن يُحاسب من يُرسل السلاح والمرتزقة، لا أن يُكافأ بالصمت. يطالب بأن يُسمع صوته في المحافل الدولية، لا أن يُهمّش تحت طاولة المصالح.
الصمت لم يعد خياراً، بل صار جزءاً من المشكلة. وإذا استمر تجاهل ما يُثارحول تورط أبوظبي فإن المجتمع الدولي والإقليمي يُخاطر بفقدان ما تبقى من مصداقيته، ويُساهم في تعميق مأساة شعبٍ لا يزال يُقاوم وحده، في وجه حربٍ لايعرف متى تنتهي ولا من يُريد لها أن تنتهي.حفظ الله السودان وشعبه من كل فتنة ومن كل طامع في أرضه وكرامته.
