ذات صلة

جمع

لافروف: من حق الحكومة السودانية مطالبة اوكرانيا بوقف ارسال المرتزقة

موسكو، 11 ديسمبر/كانون الأول (تاس). أوصى وزير الخارجية الروسي...

موسى هلال يكشف حقيقة مشاركة مجلس الصحوة في معارك بابنوسة

أصدر مجلس الصحوة الثوري السوداني برئاسة الشيخ موسى هلال...

غارات مسيرة تستهدف الدمازين

في تصعيد جديد يعكس خطورة الوضع الأمني في إقليم...

محمد محمد خير.. اللهم اجعله خير

أثار تسجيل صوتي منسوب للمستشار السياسي لرئيس مجلس الوزراء،...

الفاشر: سقوط مدينة والشهادة على الجرائم الممنهجة

بقلم: د. عبدالناصر سُلُّم حامد

في صباحٍ رمادي دام أكثر من عام ونصف، كانت أصوات القذائف تنهش أرجاء الفاشر، عاصمة شمال دارفور. المدينة لم تعد مجرد مركز حضري، بل حصن من الخراب والموت، محاصرة بالكامل من جميع الاتجاهات: الخرطوم، كبكابية، الطينة، ونيالا. الغذاء والدواء أصبحا عملتين نادرتين، والأسواق والمستشفيات شبه مغلقة. كل خطوة للسكان محفوفة بالخطر، وكل زاوية تحمل رائحة الموت، حتى الهواء نفسه مشبع بالرعب.

وسط هذا الخراب، كانت الممرضة إلهام تحاول تسجيل أسماء الجرحى والقتلى على قصاصات ورق صغيرة. قالت لاحقًا: «كنّا نعرف أنّ النهاية قريبة، لكن أردنا أن يعرف أحد أننا كنا هنا، وأن أسماءنا لم تُمحَ في الظلام. كان هذا جهادنا الأخير ضد النسيان». شهادتها ليست مجرد كلمات، بل تعكس صمود الإنسانية ومحاولة الحفاظ على هوية مجتمع كامل في وجه محاولات محوها بالقوة والإرهاب الممنهج.

بدأت مأساة الفاشر منذ منتصف 2023، عندما قطعت قوات الدعم السريع الطرق الرئيسة، وفرضت حصارًا نفسيًا وماديًا ممنهجًا على السكان. الحصار لم يكن عسكريًا فقط، بل تكتيكًا محكمًا للتجويع: الغذاء والدواء أصبحا سلعتين نادرتين تُمنح ليوم أو يومين فقط قبل أن تُغلق الطرق مجددًا. المدارس أغلقت، والمراكز الصحية تآكلت، والأسواق اختفت، ليصبح الأطفال محرومين من التعليم والأمان، والنساء والأسر يكابدون للحصول على قوتهم، فيما كبار السن والمرضى محاصرون بين مرض لا يرحم وحصار يمنع العلاج.

رغم هذا الظلام المستمر، حاول السكان الصمود. نساء خبزن الحبوب القليلة المتبقية في الظلام، وشباب دفنوا الموتى ليلاً، وأطفال حاولوا التكيف مع الفقد المستمر للأمان. بعض الناجين يروون أنهم اختبأوا في أقبية مملوءة بالمياه والأوساخ، فيما كانت قوات الدعم السريع تحاول اقتحام المباني. أحد الشهود من حي الزاكي قال: «كنا نسمع أصوات إطلاق النار من كل اتجاه، ونتنفس غبار الموت في كل ركن. كل يوم كان أشبه بمحاولة النجاة من فوضى لا تنتهي».

الأحياء المكتظة – الثورة، الفيصل، الزاكي، الطينة، والمطار – تعرضت لتدمير ممنهج. آلاف الأسر نزحت إلى أقبية أو ملاجئ مؤقتة تحت المباني، حيث كان النوم على أرض باردة بين الرمال والحطام. الأطفال صاروا ينامون وسط الأنقاض، والنساء يخبزن ما تبقى من الحبوب ليطعموا الجيران، فيما يسود شعور بالعجز والخوف الشديد. المشهد ليس ألمًا ماديًا فقط؛ إنه محاولة لتفكيك النسيج الاجتماعي بأكمله وفرض الاستسلام النفسي على السكان.

في فجر 26 أكتوبر 2025، تحوّل الوضع إلى كارثة مفتوحة. القصف المدفعي المكثف استهدف أحياء الثورة والمطار، الزاكي، الفيصل، وحي الطينة، مصحوبًا بطائرات مسيرة وقطع كامل للاتصالات والكهرباء، بما في ذلك خدمة الستارلينك. لاحظت صور الأقمار الصناعية أن الرمال المحيطة بالمدينة تحولت إلى اللون الأحمر نتيجة كثرة الدماء، وهو مؤشر بصري على حجم المجزرة.

نتائج الهجوم مأساوية ووثقتها المصادر الموثوقة:
• 460 شخصًا داخل مستشفى الفاشر السعودي.
• أكثر من 1,230 قتيلًا وفق الأمم المتحدة، مع التنويه أن الرقم قد يمثل جزءًا فقط من الواقع.
• تقدير إجمالي القتلى وفق الصور والفيديوهات: حوالي 2,000 شخص.
• أكثر من 60 أسرة أُبيدت أثناء محاولتها الفرار.
• أسرة (ن م) فقدت 27 شخصًا في إعدامات على طريق الخرطوم.
• أكثر من 150 امرأة أو فتاة تعرضن للعنف الجنسي.
• أكثر من 200 مريض فقدوا حياتهم في المستشفى السعودي التعليمي.
• أكثر من 30 عنصرًا عسكريًا اعتُقلوا أحياءً ثم ظهرت صورهم مقتولين، بينهم الناطق الرسمي باسم القوات المشتركة برتبة عقيد، وهو انتهاك صارخ للمادة 3 المشتركة من اتفاقيات جنيف التي تحظر إعدام الأسرى العسكريين والمدنيين.

العنف ضدّ الفاشر لم يكن عشوائيًا، بل جزءًا من استراتيجية لتحقيق أهداف سياسية، عسكرية، واقتصادية. المدينة تقع عند تقاطع طرق حيوية تؤدي إلى الخرطوم ونيالا وولايات دارفور الأخرى، ما يجعل السيطرة عليها مفتاحًا لتحكم كامل في خطوط الإمدادات وحركة المدنيين والمسلحين. علاوة على ذلك، كانت الفاشر مركزًا إداريًا وثقافيًا لشمال دارفور، وبالتالي فإن تدميرها يرسل رسالة لكل السكان والمعارضة المسلحة بأن أي مقاومة ستواجه بالقوة والإرهاب الممنهج.

اقتصاديًا، تحتوي المدينة والمناطق المحيطة بها على مناجم ذهب غير قانونية وطرق تهريب السلاح، وهو ما يمثل مصدر تمويل مباشر لقوات الدعم السريع. اجتماعيًا، كان الهجوم يهدف إلى تفكيك النسيج المدني، من خلال حصار طويل، إعدامات ميدانية، وعنف جنسي ممنهج ضد النساء والفتيات، لإضعاف أي قدرة على التنظيم والمقاومة.

عسكريًا، كانت الفاشر منطقة مقاومة للقوات المشتركة، وبالتالي فإن إبادة المدنيين والمسلحين فيها والتمركز في المدينة يضعف معنويات القوات المسلحة ويقوض قدرتها على استعادة السيطرة لاحقًا. الهجوم كان مزدوج الغرض: السيطرة والإرهاب النفسي، لتثبيت النفوذ العسكري والسياسي، وفرض الخضوع الكامل للسكان، وإرسال رسالة للعالم الخارجي عن مدى قدرة قوات الدعم السريع على فرض سيطرتها.

الأطفال، النساء، والشيوخ يعيشون تحت ضغط نفسي هائل، حيث يتعرضون للحرمان من الطعام والماء، وللخوف الدائم من القصف والإعدامات الميدانية. إحدى النساء الناجيات قالت: «رأيت جاري يقتل أمامي، وأطفالي يختبئون تحت الطاولات. لم أصدق أن العالم يمكن أن يتركنا نحتضر هكذا». أحد الأطباء السابقين في المستشفى السعودي أوضح: «لقد فقدنا أكثر من 200 مريض في يوم واحد. الأرقام كبيرة، ولكن الخوف والهلع أكبر من أي إحصاء».

لا يمكن الحديث عن الأرقام فقط، دون أن نذكر الانطباع الإنساني المباشر. لأول مرة شعرت بسقوط داخلي غريب، مزيج من الألم، الانزعاج، والعجز، وأنا أستمع لشهادات الناجين من الفاشر. شعرت وكأن قلبي يكاد ينكسر أمام حجم المعاناة؛ الدموع تتساقط رغم محاولتي السيطرة على نفسي، والضجيج الداخلي من الذكريات المفزعة للضحايا يرفض أن يهدأ. كل رقم يمثل حياة محطمة، كل أسرة مفقودة، وكل طفل محروم من مستقبله. إدراج هذه التجربة يعزز قوة المقال وعمقه، رابطًا بين الأرقام الموثقة والقوانين الدولية والواقع الإنساني.

أُعد المقال بعد الاستماع إلى عدد من الناجين الذين وصلوا إلى مناطق آمنة، والتحقق من شهاداتهم عبر مصادر متعددة، مع تحديث الأرقام وفق بيانات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية الموثوقة. الأرقام قابلة للارتفاع بسبب استمرار منع وصول الفرق المستقلة وتقييد قدرة المنظمات على التحقق داخل الفاشر

كبير الباحثين ومدير برنامج شرق إفريقيا والسودان في مركز فوكس للبحوث – السويد
باحث في إدارة الأزمات ومكافحة الإرهاب